الشيخ عبد الله العروسي
23
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية
بغتة عند مفاجأة كشف الحقيقة ) وكلها ترجع إلى تغير القلب ، وتذلله ، وسكونه بأن يستشعر نظر الحق إليه حتى لم يبق فيه وسع لغير ما هو فيه ، وهذه الحالة أعلى رتب الخاشعين . ( وقال الفضيل بن عياض : كان ) الشأن عند السلف ( يكره أن يرى الرجل غيره من الخشوع ) أي خشوعه ( أكثر مما في قلبه ) إذا لم يعجز عن إظهاره ، وإلا فلا يكره ذلك لعجزه عن كتمه ، فالعبد متى كان قادرا على كتم الأحوال الغالبة على القلوب ، ولم يكتمها كان مرتكبا مكروها بل إن أظهرها رياء أو تشبعا بما لم ينله ، فهو مراء كذاب ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « المتشبع بما لم ينل كلابس ثوبي زور » « 1 » ومتى لم يقدر على كتمها بأن غلبت عليه بحيث أثرت في جوارحه بغشيان أو صياح أو بكاء لم يكره له عدم كتمها لعجزه . ( وقال أبو سليمان الداراني : لو اجتمع الناس على أن يضعوني ) عن قدري ( كاتضاعي عند نفسي لما قدروا عليه ) لأنّ اتضاعي مع الحق والخلق في غاية الكمال ، وهذا إنما قاله ليقتدى به فيه لا لرياء ونحوه . ( وقيل : من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره ) لأنّ من لم يتضع لم يعرف قدر نفسه وربما ظهر منه الكبر على الناس فينزل قدره عندهم بخلاف من اتضع عند نفسه فإنّه يرتفع عند غيره لخبر « من تواضع للّه رفعه اللّه » « 2 » . ( وكان عمر بن عبد العزيز لا يسجد ) في الصلاة ( إلا على التراب ) لكمال تواضعه لربه حيث وضع أرفع ما فيه ، وهو وجهه على التراب تذللا لربه ، ورجاء لقبول عمله والعفو عن خطئه وزلله . ( أخبرنا عليّ بن أحمد الأهوازي قال : حدثنا أحمد بن عبيد البصري قال : حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( نكاح 106 ) ومسلم ( لباس 126 ، 127 ) والترمذي ( بر 87 ) وأحمد بن حنبل ( 6 ، 167 ، 345 ، 346 ، 353 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 3 ، 76 ) .